صديق الحسيني القنوجي البخاري
99
فتح البيان في مقاصد القرآن
حَتَّى يَنْفَضُّوا أي لأجل أن يتفرقوا عنه بأن يذهب كل واحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك ، يعنون بذلك فقراء المهاجرين ، قرأ الجمهور يَنْفَضُّوا من الانفضاض وهو التفرق ، وقرىء ينفضوا من انفض القوم إذا فنيت أزوادهم ، يقال : نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض ، قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في عسيف لعمر بن الخطاب ، وقرأ زيد بن أرقم وابن مسعود : حتى ينفضوا من حوله ، ثم أخبر سبحانه بسعة ملكه فقال : وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أنه هو الرازق لهؤلاء المهاجرين وغيرهم ، لأن خزائن الرزق له ، فيعطي من شاء ما شاء ، ويمنع من شاء ما شاء ، لا بأيديهم ، وهذا رد وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله ، والجملة حالية ، أي قالوا ما ذكر ، والحال أن الرزق بيده تعالى ، لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك ، لا مما في يده ، ولا مما في يد غيره وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ذلك ، ولا يعلمون أن خزائن الأرزاق بيد اللّه عز وجل ، وأنه الباسط القابض ، المعطي المانع . ثم ذكر سبحانه مقالة شنعاء قالوها فقال : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ القائل لهذه المقالة هو عبد اللّه بن أبيّ رأس المنافقين ، وعنى بالأعز نفسه ومن معه ، وبالأذل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن معه ، والمراد بالرجوع رجوعهم من تلك الغزوة ، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل فردا من أفرادهم وهو ابن أبيّ لكونه رئيسهم ، وصاحب أمرهم ، وهم راضون بما يقوله السامعون له مطيعون . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد اللّه قال : « كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في غزاة ، قال سفيان : يرون أنها غزوة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال المهاجري : يا للمهاجرين ، وقال الأنصاري : يا للأنصار ، فسمع ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « ما بال دعوة الجاهلية ؟ » قالوا : رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دعوها فإنها منتنة » ، فسمع ذلك عبد اللّه بن أبيّ فقال : أوقد فعلوها ؟ واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقام عمر فقال : يا رسول اللّه دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه » « 1 » ، زاد الترمذي فقال له ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه : واللّه لا تنقلب حتى تقرّ أنك الذليل ورسول اللّه العزيز ففعل » وكانت تلك الغزوة في السنة الرابعة ، وقيل في السادسة ، ثم رد اللّه سبحانه على قائل تلك المقالة فقال :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 63 ، باب 5 ، ومسلم في البر حديث 64 ، 65 ، والترمذي في تفسير سورة 63 ، باب 4 .